محمد بن الطيب الباقلاني
45
إعجاز القرآن
عليها الحروف المثبتة ( 1 ) في أوائل السور ، وكذلك النصف من الحروف التي ليست بحروف الحلق . وكذلك تنقسم هذه الحروف إلى قسمين آخرين : أحدهما حروف غير شديدة ، وإلى الحروف الشديدة ، وهي التي تمنع الصوت أن يجرى فيه ، وهي الهمزة ، والقاف ، والكاف ، والجيم ، والظاء ، والذال ، والطاء ، والباء ( 2 ) . وقد علمنا أن نصف هذه الحروف أيضا هي مذكورة في جملة تلك الحروف التي بنى عليها تلك السور . ومن ذلك الحروف المطبقة ، وهي أربعة أحرف ، وما سواها منفتحة . فالمطبقة : الطاء ، والظاء ، والصاد ، والضاد . / وقد علمنا أن نصف هذه [ الحروف ] في جملة الحروف المبدوء بها في أوائل السور . وإذا كان القوم - الذين قسموا في الحروف هذه الأقسام لأغراض لهم في ترتيب العربية ، وتنزيلها بعد الزمان الطويل من عهد النبي صلى الله عليه وسلم - رأوا مباني اللسان على هذه الجهة ، وقد نبه بما ذكر في أوائل السور على ما لم يذكر ، على حد التنصيف الذي وصفنا - دل على أن وقوعها الموقع الذي يقع التواضع عليه - بعد العهد الطويل - لا يجوز أن يقع إلا من الله عز وجل ، لان ذلك يجرى مجرى علم الغيوب . وإن كان إنما تنبهوا على ما بنى عليه اللسان في أصله ، ولم يكن لهم في التقسيم ( 3 ) شئ ، وإنما التأثير لمن وضع أصل اللسان ، فذلك أيضا من البديع الذي يدل على أن أصل وضعه وقع موقع الحكمة التي يقصر عنها اللسان . فإن كان أصل اللغة توقيفا فالامر في ذلك أبين . وإن كان على سبيل التواضع فهو عجيب أيضا ، لأنه لا يصح أن تجتمع هممهم المختلفة على نحو هذا إلا بأمر من عند الله تعالى . وكل ذلك يوجب إثبات الحكمة في ذكر هذه الحروف على حد يتعلق به الاعجاز من وجه .
--> ( 1 ) س : " المبينة " ( 2 ) م : " والتاء " ( 3 ) م : " فلم . . . في الذي قسم شئ "